Back أنت هنا: السياحة والسفر موضوعات باب السياحة والسفر سياحـة عربية موريتانيا.. حكايات الصحراء ونبض المحيط

موريتانيا.. حكايات الصحراء ونبض المحيط

هل تستطيع المسافات أن تلغي الرغبة بالاستكشاف؟.. بالتأكيد لا، ولاسيما عندما يسافر المرء على أجنحة قلبه، مأخوذاً بعشق أزلي لرائحة مكان عبره ذات حلم، في ليلة صيف متقدة بمشاعلَ من قمرٍ ونجوم..

هكذا حملني القدر إلى أقصى بقعة في أرجاء الأرض الناطقة بالضاد، إلى شواطئ محيطٍ سُمّيَ ظُلماً ببحر الظلمات، لكنّه لم يتوانَ يوماً عن إظهار الجانب المشرق من وجهه الودود..

بلد المليون شاعر

موريتانيا.. حيث التمازج السحري بين رمال الصحراء ورمال الشاطئ.. حيث للموج حكايات الأساطير التي يرويها لليل الصحراء الطويل..

هناك.. على تلك الرمال عبر بعضٌ من أحلامي.. وقفتُ عند حدود المدى القرمزي ذاتَ غروب، أستنبط الماضي عبر إطلالةٍ على نافذةِ حاضرٍ أشبهَ ما يكون بأغنية أفريقية، يتردّد صداها عبر رؤى أبناء بلد ولد حديثاً كجمهورية مستقلة، لكنه ترسّخ في التاريخ ليترك بصمته وآثار خطواته على طريق قاسية رغم نعومة رمالها.

من موريتانيا انطلق يوسف بن تاشفين ملثّماً برمز المرابطين الذي صار دالّاً عليهم بين الأمم، ومن موريتانيا انطلق مليون شاعر ليمنحوا هذا البلد لقباً فريداً: (بلد المليون شاعر) في الوقت الذي يبلغ إجمالي السكان حوالي ثلاثة ملايين وثلاثمئة ألف نسمة!..

ومن موريتانيا أورق الأمل بانتصار اللغة العربية على كل التحديات التي سحقتها في فترة ما في المغرب العربي كله..

فالموريتانيون متمسكون بلغتهم العربية التي يطلق عليها اسم (الحسّانية)، مفتخرين بانتمائهم إلى القبائل الحسّانية التي هاجرت منذ مئات السنين من شبه الجزيرة العربية واستقرت هناك، وحافظت على تراثها وتاريخها.

وبالرغم من طول مدة الاستعمار الفرنسي لموريتانيا، فإن ذلك لم يؤثر على الانتماء الحقيقي للموريتانيين سواء أكانوا عرباً أم أفارقة.

لكن الموريتانيين استطاعوا أيضاً أن يخلقوا ذلك التفرد الذي جعلهم متميزين عن غيرهم من سكان المغرب العربي، فهم يمتلكون عادات وتقاليد اجتماعية مختلفة عن السائد والمعروف في باقي الدول العربية، ابتداءً من تسمية المواليد، والعلاقات داخل الأسرة، ثم العلاقات داخل القبيلة، مروراً بطقوس الزواج، وانتهاء بالانقلابات السياسية والعسكرية، التي حطمت بها موريتانيا رقماً قياسياً خلال الأعوام القليلة الماضية!..

حكايات الشاي

مازلت أضع في مطبخي علبة من الشاي الأخضر، فقد أدمنته في رحلتي التي دامت أربعة أعوام على أرض موريتانيا، وحين حطّت قافلتي رحالها ذات يوم في مدينة اسمها (بوتلميت) داخل الصحراء، تعلّمت درساً في طقوس شرب الشاي، وفي الوقت الذي تحتلّ فيه الشاي مكانة عليا عند الإنجليز، ويمارَس شربُها عبر طقوس خاصة عند الصينيين، تعجبت لماذا لم يمتلك كأس الشاي الموريتاني شهرة مماثلة!

فالشاي في موريتانيا يُشرَب فقط مع الجماعة، ولا يمكن أن ترى موريتانياً يضع على طاولته كوباً أو فنجاناً كبيراً من الشاي الأخضر يشربه أثناء عمله أو لأنه شعر بحاجة إلى هذا الكوب، لأن الشاي بحدّ ذاته ثقافة وتقليد.. الشاي بكؤوسه الزجاجية الشفافة الصغيرة على صينيته الفضية، وبرائحة النعنع الأخضر المنعشة، له حكايات وحكايات.. فحول تلك الصينية يتجمّع الأصحاب ليحكوا قصص الماضي وأساطير أفريقيا الساحرة..

شنقيط.. عبق التاريخ

أذكر أنني رأيت حلماً ذات يوم، عن مدينة طينية حمراء، هادئة وساكنة، تعبق رائحة الماضي من كل زاوية فيها.. حين استيقظت أدركت أن حلمي كان عن (شنقيط) تلك المدينة المتفرّدة بسحرها.. المستلقية على تلال الماضي بكسل، وكأنها خلقت هناك لتبقى شاهداً على حضارة عاشت وازدهرت على رمال الصحراء.

شنقيط، واحدة من المدن التراثية العالمية، وفي بعض مكتباتها البسيطة، يوجد مخطوطات نادرة هي في الغالب مخطوطات من الحضارة الإسلامية، وقد منحت اسمها لهذا البلد في فترة سابقة فأطلق عليه (بلاد شنقيط).

بين مدينتين..

وفي موريتانيا الممتدة على مساحة (1030700) كم2، ثمة مساحات خضراء شاسعة، على طول شاطئ نهر السنغال الذي يشكل حدودها مع جارتها الإفريقية، حيث يُستثمَر جزءٌ من تلك المساحة بالزراعة، رغم أنها لم تستطع حتى الآن تحقيق المأمول منها، وبقي الاعتماد الاقتصادي الأكبر، على الصيد البحري، على اعتبار أنّ موريتانيا تعدّ واحدة من أبرز دول العالم في مجال الصيد البحري، بسبب التقاء تياري كناريا البارد والخليج الدافئ، ما منحها ثروة سمكية عظيمة.

حين عبرتُ تلك المساحة الخضراء، ونظرتُ باتجاه مدينة (روصّو) السنغالية الواقعة على الضفة المقابلة من النهر، تراءت لي عشراتُ القصص السمراء، تتراقص على أنغام أغنية ولدت ذات يوم على لسان فلاح أفريقي نشيط..

هناك.. على الحدود الفاصلة بين مدينتين متعبتين من الفقر والأسى، وقفتُ أرقبُ المسافرين على عبّارة تقطع النهر جيئةً وذهاباً، وكأنها جسرٌ بين حضارتين، وبين عالمين، يربطهما نهر قديم، بقدر ما يفرّق بينهما..

وأنا.. كنتُ هناك، واقفةً في مكان يبعد آلاف الكيلومترات عن موطني، أستحضرُ صوتَ فيروز في لحن تترنم به امرأةٌ سمراءُ تسقي شجيراتِ الطماطم بالقرب مني..

حنيناليوم.. وعند هذا البعد الجغرافي، يغمرني الحنين إلى ملمس الرمل الدافئ تحت أقدامي، وإلى هدير المحيط الأطلسي، وحكايات أمواجه عند شاطئ يمتّد حتى الأفق القرمزي..

لا أعرف أيَّ قدر قادني إلى هناك.. لكنني مازلت أعتقد أن قلبي نبض ذات يوم بتآلفٍ لا مثيل له، مع هدير الموج، وفي لحظة ما توقف الزمن عند ذلك الموج.

قد يكون قدري حملني من جديد، نحو الشرق البعيد عن تلك البقاع، لكنني مازلت حتى الآن أشعر بنغمة مختلفة، ينبض بها قلبي، كلّما أصبح لونُ الأفقِ قرمزيّاً، فأبتسم، لأنني أدرك أنني سرقت هذه النغمة ذات يوم، من موج المحيط الأطلسي...